فصل: تفسير الآيات رقم (1- 11)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة البينة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏1‏)‏ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ‏(‏2‏)‏ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ‏(‏3‏)‏ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ‏(‏7‏)‏ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذه السورة معدودة في المصحف وفي أكثر الروايات أنها مدنية‏.‏ وقد وردت بعض الروايات بمكيتها‏.‏ ومع رجحان مدنيتها من ناحية الرواية، ومن ناحية أسلوب التعبير التقريري، فإن كونها مكية لا يمكن استبعاده‏.‏ وذكر الزكاة فيها وذكر أهل الكتاب لا يعتبر قرينة مانعة‏.‏ فقد ورد ذكر أهل الكتاب في بعض السور المقطوع بمكيتها‏.‏ وكان في مكة بعض أهل الكتاب الذين آمنوا، وبعضهم لم يؤمنوا‏.‏ كما أن نصارى نجران وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وآمنوا كما هو معروف‏.‏ وورد ذكر الزكاة كذلك في سور مكية‏.‏

والسورة تعرض عدة حقائق تاريخية وإيمانية في أسلوب تقريري هو الذي يرجح أنها مدنية إلى جانب الروايات القائلة بهذا‏.‏

والحقيقة الأولى هي أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة‏:‏

‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة‏:‏ رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة‏}‏‏.‏‏.‏

والحقيقة الثانية‏:‏ أن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهالة ولا عن غموض فيه، إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم وجاءتهم البينة‏:‏ ‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏‏.‏

والحقيقة الثالثة‏:‏ أن الدين في أصله واحد، وقواعده بسيطة واضحة، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة‏:‏ ‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة‏}‏‏.‏

والحقيقة الرابعة‏:‏ أن الذين كفروا بعد ما جاءتهم البينة هم شر البرية، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية‏.‏ ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافاً بيناً‏:‏

‏{‏إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ‏.‏ أولئك هم شر البرية‏.‏ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضى الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه الحقائق الأربع ذات قيمة في إدراك دور العقيدة الإسلامية ودور الرسالة الأخيرة‏.‏ وفي التصور الإيماني كذلك‏.‏ نفصلها فيما يلي‏:‏

‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة‏:‏ رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة‏}‏‏.‏

لقد كانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة‏.‏ كان الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة، ومنهج جديد، وحركة جديدة‏.‏ وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعاً سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها، أو المشركين في الجزيرة العربية وفي خارجها سواء‏.‏

وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة فاصلة‏:‏ ‏{‏رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة‏}‏‏.‏‏.‏ مطهرة من الشرك والكفر ‏{‏فيها كتب قيمة‏}‏‏.‏‏.‏ والكتاب يطلق على الموضوع، كما يقال كتاب الطهارة وكتاب الصلاة، وكتاب القدر، وكتاب القيامة، وهذه الصحف المطهرة وهي هذا القرآن فيها كتب قيمة أي موضوعات وحقائق قيمة‏.‏‏.‏

ومن ثم جاءت هذه الرسالة في إبانها، وجاء هذا الرسول في وقته، وجاءت هذه الصحف وما فيها من كتب وحقائق وموضوعات لتحدث في الأرض كلها حدثاً لا تصلح الأرض إلا به‏.‏ فأما كيف كانت الأرض في حاجة إلى هذه الرسالة وإلى هذا الرسول فنكتفي في بيانه باقتطاف لمحات كاشفة من الكتاب القيم كتبه الرجل المسلم «السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي» بعنوان‏:‏ «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»‏.‏‏.‏ وهو أوضح وأخصر ما قرأناه في موضوعه‏:‏

جاء في الفصل الأول من الباب الأول‏:‏

كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف‏.‏ فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون‏.‏ وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها‏.‏ وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح‏.‏ وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدها، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب، فضلاً عن البيوت، فضلاً عن البلاد‏.‏ وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا بالأديرة والكنائس والخلوات فراراً بدينهم من الفتن، وضناً بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكون، فراراً من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة، والروح والمادة؛ ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل‏.‏‏.‏

«أصبحت الديانات العظيمة فريسة العابثين والمتلاعبين؛ ولعبة المجرمين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها؛ وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام وعسف الحكام، وشغلت بنفسها لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي، ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري»‏.‏‏.‏

هذه اللمحة السريعة تصور في إجمال حالة البشرية والديانات قبيل البعثة المحمدية‏.‏ وقد أشار القرآن إلى مظاهر الكفر الذي شمل أهل الكتاب والمشركين في مواضع شتى‏.‏

من ذلك قوله عن اليهود والنصارى‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود عزير ابن الله‏.‏ وقالت النصارى المسيح ابن الله‏}‏ ‏{‏وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء‏}‏ وقوله عن اليهود‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود‏:‏ يد الله مغلولة‏.‏ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا‏.‏ بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء‏}‏ وقوله عن النصارى‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة‏}‏ وقوله عن المشركين‏:‏ ‏{‏قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد‏.‏ ولا أنا عابد ما عبدتم؛ ولا أنتم عابدون ما أعبد‏.‏ لكم دينكم ولي دين‏}‏ وغيرهما كثير‏.‏‏.‏

وكان وراء هذا الكفر ما وراءه من الشر والانحطاط والشقاق والخراب الذي عم أرجاء الأرض‏.‏‏.‏ «وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء»‏.‏

ومن ثم اقتضت رحمة الله بالبشرية إرسال رسول من عنده يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة‏.‏ وما كان الذين كفروا من المشركين ومن الذين أوتوا الكتاب ليتحولوا عن ذلك الشر والفساد إلا ببعثة هذا الرسول المنقذ الهادي المبين‏.‏‏.‏

ولما قرر هذه الحقيقة في مطلع السورة عاد يقرر أن أهل الكتاب خاصة لم يتفرقوا ويختلفوا في دينهم عن جهل أو عن غموض في الدين أو تعقيد‏.‏ إنما هم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينة من دينهم على أيدي رسلهم‏:‏

‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏‏.‏‏.‏

وكان أول التفرق والاختلاف ما وقع بين طوائف اليهود قبل بعثة عيسى عليه السلام فقد انقسموا شعباً وأحزاباً‏.‏ مع أن رسولهم هو موسى عليه السلام وكتابهم هو التوراة‏.‏ فكانوا طوائف خمسة رئيسية هي طوائف الصدوقيين، والفريسيين، والآسيين، والغلاة، والسامريين‏.‏‏.‏ ولكل طائفة سمة واتجاه‏.‏ ثم كان التفرق بين اليهود والنصارى، مع أن المسيح عليه السلام هو أحد أنبياء بني إسرائيل وآخرهم، وقد جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومع هذا فقد بلغ الخلاف والشقاق بين اليهود والمسيحيين حد العداء العنيف والحقد الذميم‏.‏ وحفظ التاريخ من المجازر بين الفريقين ما تقشعر له الأبدان‏.‏

«وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم ‏(‏أي اليهود‏)‏ إلى المسيحيين وبغض المسيحيين إليهم، وشوه سمعتهم‏.‏ ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس ‏(‏610م‏)‏ أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية، فأرسل الأمبراطور قائده» ابنوسوس «ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً قتلاً بالسيف، وشنقاً، وإغراقاً، وإحراقاً، وتعذيباً، ورمياً للوحوش الكاسرة‏.‏

‏.‏ وكان ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة، قال المقريزي في كتاب الخطط‏:‏ «وفي أيام ‏(‏فوقا‏)‏ ملك الروم، بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر فخربوا كنائس القدس، وفلسطين وعامة بلاد الشام، وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة، وسبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر‏.‏ وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم؛ وأقبلوا نحو الفرس من طبرية، وجبل الجليل، وقرية الناصرة ومدينة صور، وبلاد القدس؛ فنالوا من النصارى كل منال وأعظموا النكاية فيهم، وخربوا لهم كنيستين بالقدس، وأحرقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصليب، وأسروا بطرك القدس وكثيراً من أصحابه‏.‏ إلى أن قال بعد أن ذكر فتح القدس‏:‏

» فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور، وأرسلوا بقيتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم، فكانت بينهم حرب، اجتمع فيها من اليهود نحو 20 ألفاً وهدموا كنائس النصارى خارج صور‏.‏ فقوّس النصارى عليهم وكاثروهم فانهزم اليهود هزيمة قبيحة، وقتل منهم كثير‏.‏ وكان هرقل قد ملك الروم بقسطنطينية، وغلب الفرس بحيلة دبرها على كسرى حتى رحل عنه، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر، ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها، وقدموا لها الهدايا الجليلة وطلبوا منه أن يؤمنهم منه ويحلف لهم على ذلك، فأمنهم وحلف لهم‏.‏ ثم دخل القدس، وقد تلقاهم النصارى بالأناجيل والصلبان والبخور والشموع المشعلة، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك، وتوجع لهم، وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنهم كانوا أشد نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياماً كبيراً في قتلهم عن آخرهم، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم، وحسنوا له ذلك‏.‏ فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطارقتهم وقسيسوهم بأنه لا حرج عليه في قتلهم، فإنهم عملوا عليه حيلة حتى أمنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنهم يقومون عنه بكفارة يمينه بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كل سنة عنه على مر الزمان والدهور‏!‏ فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في مماليك الروم والشام إلا من فر واختفى‏.‏‏.‏

«وبهذه الروايات يعلم ما وصل إليه الفريقان‏:‏ اليهود والنصارى، من القسوة والضراوة بالدم الإنساني، وتحين الفرص للنكاية في العدو، وعدم مراعاة الحدود في ذلك»‏.‏

ثم كان التفرق والاختلاف بين النصارى أنفسهم، مع أن كتابهم واحد ونبيهم واحد‏.‏ تفرقوا واختلفوا أولاً في العقيدة‏.‏ ثم تفرقوا واختلفوا طوائف متعادية متنافرة متقابلة‏.‏ وقد دارت الخلافات حول طبيعة المسيح عليه السلام وعما إذا كانت لاهوتية أو ناسوتية‏.‏

وطبيعة أمه مريم‏.‏ وطبيعة الثالوث الذي يتألف منه «الله» في زعمهم وحكى القرآن قولين منها أو ثلاثة في قوله‏:‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا‏:‏ إن الله هو المسيح ابن مريم‏}‏ ‏{‏لقد كفر الذين قالوا‏:‏ إن الله ثالث ثلاثة‏}‏ ‏{‏وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس‏:‏ اتخذوني وأمي إلهين من دون الله‏؟‏‏}‏ «وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية، وبين نصارى مصر‏.‏ أو بين» الملكانية «،» المنوفوسية «بلفظ أصح‏.‏ فكان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح، وكان المنوفوسيون يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة هي الإلاهية‏.‏ التي تلاشت فيها طبيعة المسيح البشرية كقطرة من الخل تقع في بحر عميق لا قرار له‏.‏ وقد اشتد هذا الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع، حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى‏.‏‏.‏ كل طائفة تقول للأخرى‏:‏ إنها ليست على شيء‏.‏

» وحاول الإمبراطور هرقل ‏(‏610 641‏)‏ بعد انتصاره على الفرس ‏(‏سنة 638‏)‏ جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة أو قضاء واحد‏.‏ وفي صدر عام 631 حصل وفاق على ذلك، وصار المذهب المنوثيلي مذهباً رسمياً للدولة، ومن تضمهم من أتباع الكنيسة المسيحية‏.‏ وصمم هرقل على إظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المخالفة، متوسلاً إلى ذلك بكل الوسائل‏.‏ ولكن القبط نابذوه العداء، وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف‏!‏ وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة‏.‏ وحاول الإمبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة‏.‏ وأما المسألة الأخرى وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل فأرجأ القول فيه، ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراته‏.‏ وجعل ذلك رسالة رسمية، ذهب بها إلى جميع جهات العالم الشرقي‏.‏ ولكن الرسالة لم تهدئ العاصفة في مصر، ووقع اضطهاد فظيع على يد قيصر في مصر استمر عشر سنين، ووقع في خلالها ما تقشعر منه الجلود، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرقاً، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض ويوضع السجين في كيس مملوء بالرمل ويرمى في البحر‏.‏ إلى غير ذلك من الفظائع «‏.‏

وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعاً ‏{‏من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏‏.‏‏.‏ فلم يكن ينقصهم العلم والبيان؛ إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف‏.‏

على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة‏:‏

‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة‏}‏ وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق‏:‏

عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة‏:‏ ‏{‏وذلك دين القيمة‏}‏‏.‏

‏.‏ عقيدة خالصة في الضمير، وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة‏.‏‏.‏ فمن حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على الإطلاق‏.‏ دين واحد‏.‏ وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات، ويتوافى عليها الرسل‏.‏‏.‏ دين لا غموض فيه ولا تعقيد‏.‏ وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف، وهي بهذه النصاعة، وبهذه البساطة، وبهذا التيسير‏.‏ فأين هذا من تلك التصورات المعقدة، وذلك الجدل الكثير‏؟‏

فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة؛ ويقدم لهم عقيدة، واضحة بسيطة ميسرة، فقد تبين الطريق‏.‏ ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون‏:‏

‏{‏إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية‏.‏ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏.‏ جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا‏.‏ رضى الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه‏}‏‏.‏‏.‏

إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الرسول الأخير؛ وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة‏.‏ وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح‏.‏ وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة، لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة، فقد تحددت الفرصة الأخيرة، فإما إيمان فنجاة، وإما كفر فهلاك‏.‏ ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له، وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده‏.‏

‏{‏إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها‏.‏ أولئك هم شر البرية‏}‏ حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال‏.‏ مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان، بهذه الرسالة الأخيرة، وبهذا الرسول الأخير‏.‏ لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر مظاهر الصلاح، المقطوعة الاتصال بمنهج الله الثابت القويم‏.‏

‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية‏}‏‏.‏

حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال‏.‏ ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال‏.‏ إنه الإيمان‏.‏ لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام، أو في بيت يقول‏:‏ إنه من المسلمين‏.‏ ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان‏!‏ إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة‏:‏ ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏‏.‏ وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه‏!‏ والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل‏.‏

وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله‏.‏ فمن كانوا كذلك فهم خير البرية‏.‏

‏{‏جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً‏}‏‏.‏‏.‏

جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن من الفناء والفوات‏.‏ والطمأنينة من القلق الذي يعكر وينغص كل طيبات الأرض‏.‏‏.‏ كما يمثله جريان الأنهار من تحتها، وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال‏!‏

ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم المقيم‏:‏

‏{‏رضي الله عنهم ورضوا عنه‏}‏‏.‏‏.‏

هذا الرضا من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم‏.‏‏.‏ وهذا الرضا في نفوسهم عن ربهم‏.‏ الرضا عن قدره فيهم‏.‏ والرضا عن إنعامه عليهم‏.‏ والرضا بهذه الصلة بينه وبينهم‏.‏ الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص العميق‏.‏‏.‏

إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته‏.‏‏.‏ ‏{‏رضي الله عنهم ورضوا عنه‏}‏ حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال‏!‏

‏{‏ذلك لمن خشي ربه‏}‏‏.‏

وذلك هو التوكيد الأخير‏.‏ التوكيد على أن هذا كله متوقف على صلة القلب بالله، ونوع هذه الصلة، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح، وتنهى عن انحراف‏.‏‏.‏ الشعور الذي يزيح الحواجز، ويرفع الأستار، ويقف القلب عارياً أمام الواحد القهار‏.‏ والذي يخلص العبادة ويخلص العمل من شوائب الرياء والشرك في كل صورة من صوره‏.‏ فالذي يخشى ربه حقاً لا يملك أن يُخطر في قلبه ظلاً لغيره من خلقه‏.‏ وهو يعلم أن الله يرد كل عمل ينظر فيه العبد إلى غيره معه، فهو أغنى الشركاء عن الشرك‏.‏ فإما عمل خالص له، وإلا لم يقبله‏.‏

تلك الحقائق الأربعة الكبيرة هي مقررات هذه السورة الصغيرة، يعرضها القرآن بأسلوبه الخاص، الذي يتجلى بصفة خاصة في هذه السور القصار‏.‏‏.‏

سورة الزلزلة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ‏(‏1‏)‏ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ‏(‏2‏)‏ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ‏(‏3‏)‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ‏(‏4‏)‏ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ‏(‏6‏)‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ‏(‏7‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذه السورة مدنية في المصحف وفي بعض الروايات؛ ومكية في بعض الروايات الأخرى‏.‏ ونحن نرجح الروايات التي تقول بأنها مكية‏.‏ وأسلوبها التعبيري وموضوعها يؤيدان هذا‏.‏

إنها هزة عنيفة للقلوب الغافلة‏.‏ هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي‏.‏ وصيحة قوية مزلزلة للأرض ومن عليها؛ فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بضع فقرات قصار‏!‏

وهذا هو طابع الجزء كله، يتمثل في هذه السورة تمثلاً قوياً‏.‏‏.‏

‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها‏؟‏ يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها‏}‏‏.‏

إنه يوم القيامة حيث ترتجف الأرض الثابتة ارتجافاً، وتزلزل زلزالا، وتنفض ما في جوفها نفضاً، وتخرج ما يثقلها من أجساد ومعادن وغيرها مما حملته طويلاً‏.‏ وكأنها تتخفف من هذه الأثقال، التي حملتها طويلاً‏!‏

وهو مشهد يهز تحت أقدام المستمعين لهذه السورة كل شيء ثابت؛ ويخيل إليهم أنهم يترنحون ويتأرجحون، والأرض من تحتهم تهتز وتمور‏!‏ مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض، وتحسبه ثابتاً باقياً؛ وهو الإيحاء الأول لمثل هذه المشاهد التي يصورها القرآن، ويودع فيها حركة تكاد تنتقل إلى أعصاب السامع بمجرد سماع العبارة القرآنية الفريدة‏!‏

ويزيد هذا الأثر وضوحاً بتصوير «الإنسان» حيال المشهد المعروض، ورسم انفعالاته وهو يشهده‏:‏

‏{‏وقال الإنسان‏:‏ ما لها‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهو سؤال المشدوه المبهوت المفجوء، الذي يرى ما لم يعهد، ويواجه ما لا يدرك، ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه والسكوت‏.‏ مالها‏؟‏ ما الذي يزلزلها هكذا ويرجها رجا‏؟‏ مالها‏؟‏ وكأنه يتمايل على ظهرها ويترنح معها؛ ويحاول أن يمسك بأي شيء يسنده ويثبته، وكل ما حوله يمور موراً شديداً‏!‏

«والإنسان» قد شهد الزلازل والبراكين من قبل‏.‏ وكان يصاب منها بالهلع والذعر، والهلاك والدمار، ولكنه حين يرى زلزال يوم القيامة لا يجد أن هناك شبهاً بينه وبين ما كان يقع من الزلازل والبراكين في الحياة الدنيا‏.‏ فهذا أمر جديد لا عهد للإنسان به‏.‏ أمر لا يعرف له سراً، ولا يذكر له نظيراً‏.‏ أمر هائل يقع للمرة الأولى‏!‏

‏{‏يومئذ‏}‏‏.‏‏.‏ يوم يقع هذا الزلزال، ويُشدَه أمامه الإنسان ‏{‏تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها‏}‏‏.‏‏.‏ يومئذ تحدث هذه الأرض أخبارها، وتصف حالها وما جرى لها‏.‏‏.‏ لقد كان ما كان لها ‏{‏بأن ربك أوحى لها‏}‏‏.‏‏.‏ وأمرها أن تمور موراً، وأن تزلزل زلزالها، وأن تخرج أثقالها‏!‏ فأطاعت أمر ربها ‏{‏وأذنت لربها وحقت‏}‏ تحدث أخبارها‏.‏ فهذا الحال حديث واضح عما وراءه من أمر الله ووحيه إليها‏.‏‏.‏

وهنا و‏{‏الإنسان‏}‏ مشدوه مأخوذ، والإيقاع يلهث فزعاً ورعباً، ودهشة وعجبا، واضطراباً وموراً‏.‏‏.‏ هنا و‏{‏الإنسان‏}‏ لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يتساءل‏:‏ مالها مالها‏؟‏ هنا يواجه بمشهد الحشر والحساب والوزن والجزاء‏:‏

‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم‏.‏

فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏}‏‏.‏

وفي لمحة نرى مشهد القيام من القبور‏:‏ ‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتاً‏}‏‏.‏‏.‏ نرى مشهدهم شتيتاً منبعثاً من أرجاء الأرض ‏{‏كأنهم جراد منتشر‏}‏‏.‏‏.‏ وهو مشهد لا عهد للأنسان به كذلك من قبل‏.‏ مشهد الخلائق في أجيالها جميعاً تنبعث من هنا ومن هناك‏:‏ ‏{‏يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً‏}‏ وحيثما امتد البصر رأى شبحاً ينبعث ثم ينطلق مسرعاً‏!‏ لا يلوي على شيء، ولا ينظر وراءه ولا حواليه‏:‏ ‏{‏مهطعين إلى الداع‏}‏ ممدودة رقابهم، شاخصة أبصارهم‏.‏ ‏{‏لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه‏}‏ إنه مشهد لا تعبر عن صفته لغة البشر‏.‏ هائل مروّع‏.‏ مفزع‏.‏ مرعب‏.‏ مذهل‏.‏‏.‏

كل أولئك وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ من وصف هذا المشهد شيئاً مما يبلغه إرسال الخيال قليلاً يتملاه بقدر ما يملك وفي حدود ما يطيق‏!‏

‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتاً‏}‏‏.‏‏.‏ ‏{‏ليروا أعمالهم‏}‏‏.‏‏.‏ وهذه أشد وأدهى‏.‏‏.‏ إنهم ذاهبون إلى حيث تعرض عليهم أعمالهم، ليواجهوها، ويواجهوا جزاءها‏.‏ ومواجهة الإنسان لعمله قد تكون أحياناً أقسى من كل جزاء‏.‏ وإن من عمله ما يهرب من مواجهته بينه وبين نفسه، ويشيح بوجهه عنه لبشاعته حين يتمثل له في نوبة من نوبات الندم ولذع الضمير‏.‏ فكيف به وهو يواجه بعمله على رؤوس الأشهاد، في حضرة الجليل العظيم الجبار المتكبر‏؟‏‏!‏

إنها عقوبة هائلة رهيبة‏.‏‏.‏ مجرد أن يُروا أعمالهم، وأن يواجهوا بما كان منهم‏!‏

ووراء رؤيتها الحساب الدقيق الذي لا يدع ذرة من خير أو من شر لا يزنها ولا يجازي عليها‏.‏

‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏}‏‏.‏‏.‏

ذرة‏.‏‏.‏ كان المفسرون القدامى يقولون‏:‏ إنها البعوضة‏.‏ وكانوا يقولون‏:‏ إنها الهباءة التي ترى في ضوء الشمس‏.‏‏.‏ فقد كان ذلك أصغر ما يتصورون من لفظ الذرة‏.‏‏.‏‏.‏

فنحن الآن نعلم أن الذرة شيء محدد يحمل هذا الاسم، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة التي ترى في ضوء الشمس، فالهباءة ترى بالعين المجردة‏.‏ أما الذرة فلا ترى أبداً حتى بأعظم المجاهر في المعامل‏.‏ إنما هي «رؤيا» في ضمير العلماء‏!‏ لم يسبق لواحد منهم أن رآها بعينه ولا بمجهره‏.‏ وكل ما رآه هو آثارها‏!‏

فهذه أو ما يشبهها من ثقل، من خير أو شر، تحضر ويراها صاحبها ويجد جزاءها‏!‏‏.‏‏.‏

عندئذ لا يحقر «الإنسان» شيئاً من عمله‏.‏ خيراً كان أو شراً‏.‏ ولا يقول‏:‏ هذه صغيرة لا حساب لها ولا وزن‏.‏ إنما يرتعش وجدانه أمام كل عمل من أعماله ارتعاشه ذلك الميزان الدقيق الذي ترجح به الذرة أو تشيل‏!‏

إن هذا الميزان لم يوجد له نظير أو شبيه بعد في الأرض‏.‏‏.‏ إلا في القلب المؤمن‏.‏‏.‏

القلب الذي يرتعش لمثقال ذرة من خير أو شر‏.‏‏.‏ وفي الأرض قلوب لا تتحرك للجبل من الذنوب والمعاصي والجرائر‏.‏‏.‏ ولا تتأثر وهي تسحق رواسي من الخير دونها رواسي الجبال‏.‏‏.‏

إنها قلوب عتلة في الأرض، مسحوقة تحت أثقالها تلك في يوم الحساب‏!‏‏!‏

سورة العاديات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ‏(‏1‏)‏ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ‏(‏2‏)‏ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ‏(‏4‏)‏ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ‏(‏5‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ‏(‏9‏)‏ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة، ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزاً وركضاً ووثباً، في خفة وسرعة وانطلاق، حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع‏!‏ كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف‏!‏

وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة، القادحة للشرر بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة للنقع وهو الغبار، الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة، وتثير في صفوفه الذعر والفرار‏!‏

يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد‏!‏

ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور‏!‏

وفي الختام ينتهي النقع المثار، وينتهي الكنود والشح، وتنتهي البعثرة والجمع‏.‏‏.‏ إلى نهايتها جميعاً‏.‏ إلى الله‏.‏ فتستقر هناك‏:‏ ‏{‏إن ربهم بهم يومئذ لخبير‏}‏‏.‏‏.‏

والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة، كما تناسب جو الجحود والكنود، والأثرة والشح الشديد‏.‏‏.‏ فلما أراد لهذا كله إطاراً مناسباً، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك، تثيره الخيل العادية في جريها، الصاخبة بأصواتها، القادحة بحوافرها، المغيرة فجاءة مع الصباح، المثيرة للنقع والغبار، الداخلة في وسط العدو على غير انتظار‏.‏‏.‏ فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار

‏{‏والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا‏.‏‏.‏ إن الإنسان لربه لكنود‏.‏ وإنه على ذلك لشهيد‏.‏ وإنه لحب الخير لشديد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏

يقسم الله سبحانه بخيل المعركة، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو، مثيرة للنقع والغبار‏.‏ غبار المعركة على غير انتظار‏.‏ وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب‏!‏

إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة‏.‏‏.‏ والقسم بالخيل في هذا الإطار فيه إيحاء قوي بحب هذه الحركة والنشاط لها، بعد الشعور بقيمتها في ميزان الله والتفاته سبحانه إليها‏؟‏

وذلك فوق تناسق المشهد مع المشاهد المقسم عليها والمعقب بها كما أسلفنا‏.‏ أما الذي يقسم الله سبحانه عليه، فهو حقيقة في نفس الإنسان، حين يخوى قلبه من دوافع الإيمان‏.‏ حقيقة ينبهه القرآن إليها، ليجند إرادته لكفاحها، مذ كان الله يعلم عمق وشائجها في نفسه، وثقل وقعها في كيانه‏:‏

‏{‏إن الإنسان لربه لكنود‏.‏ وإنه على ذلك لشهيد‏.‏ وإنه لحب الخير لشديد‏}‏‏.‏‏.‏

إن الإنسان ليجحد نعمة ربه، وينكر جزيل فضله‏.‏ ويتمثل كنوده وجحوده في مظاهر شتى تبدو منه أفعالاً وأقوالاً، فتقوم عليه مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة‏.‏ وكأنه يشهد على نفسه بها‏.‏ أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود‏:‏ ‏{‏وإنه على ذلك لشهيد‏}‏‏.‏

‏.‏ يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال‏!‏

‏{‏وإنه لحب الخير لشديد‏}‏ فهو شديد الحب لنفسه، ومن ثم يحب الخير‏.‏ ولكن كما يتمثله مالا وسلطة ومتاعاً بأعراض الحياة الدنيا‏.‏‏.‏

هذه فطرته‏.‏ وهذا طبعه‏.‏ ما لم يخالط الإيمان قلبه‏.‏ فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته‏.‏ ويحيل كنوده وجحوده اعترافاً بفضل الله وشكراناً‏.‏ كما يبدل أثرته وشحه إيثاراً ورحمة‏.‏ ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكد والكدح‏.‏ وهي قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأعراض الحياة الدنيا‏.‏‏.‏

إن الإنسان بغير إيمان حقير صغير‏.‏ حقير المطامع، صغير الاهتمامات‏.‏ ومهما كبرت أطماعه‏.‏ واشتد طموحه، وتعالت أهدافه، فإنه يظل مرتكساً في حمأة الأرض، مقيداً بحدود العمر، سجيناً في سجن الذات‏.‏‏.‏ لا يطلقه ولا يرفعه إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض، وأبعد من الحياة الدنيا، وأعظم من الذات‏.‏‏.‏ عالم يصدر عن الله الأزلي، ويعود إلى الله الأبدي، وتتصل فيه الدنيا بالآخرة إلى غير انتهاء‏.‏‏.‏

ومن ثم تجيء اللفتة الأخيرة في السورة لعلاج الكنود والجحود والأثرة والشح، لتحطيم قيد النفس وإطلاقها منه‏.‏ مع عرض مشهد البعث والحشر في صورة تنسي حب الخير، وتوقظ من غفلة البطر‏:‏

‏{‏أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهو مشهد عنيف مثير‏.‏ بعثرة لما في القبور‏.‏ بعثرة بهذا اللفظ العنيف المثير‏.‏ وتحصيل لأسرار الصدور التي ضنت بها وخبأتها بعيداً عن العيون‏.‏ تحصيل بهذا اللفظ العنيف القاسي‏.‏‏.‏ فالجو كله عنف وشدة وتعفير‏!‏

أفلا يعلم إذا كان هذا‏؟‏ ولا يذكر ماذا يعلم‏؟‏ لأن علمه بهذا وحده يكفي لهز المشاعر‏.‏ ثم ليدع النفس تبحث عن الجواب، وترود كل مراد، وتتصور كل ما يمكن أن يصاحب هذه الحركات العنيفة من آثار وعواقب‏!‏

ويختم هذه الحركات الثائرة باستقرار ينتهي إليه كل شيء، وكل أمر، وكل مصير‏:‏

‏{‏إن ربهم بهم يومئذ لخبير‏}‏‏.‏‏.‏

فالمرجع إلى ربهم‏.‏ وإنه لخبير بهم ‏{‏يومئذ‏}‏ وبأحوالهم وأسرارهم‏.‏‏.‏ والله خبير بهم في كل وقت وفي كل حال‏.‏ ولكن لهذه الخبرة ‏{‏يومئذ‏}‏ آثار هي التي تثير انتباههم لها في هذا المقام‏.‏‏.‏ إنها خبرة وراءها عاقبة‏.‏ خبرة وراءها حساب وجزاء‏.‏ وهذا المعنى الضمني هو الذي يلوح به في هذا المقام‏!‏

إن السورة مشوار واحد لاهث صاخب ثائر‏.‏‏.‏ حتى ينتهي إلى هذا القرار‏.‏‏.‏ معنى ولفظاً وإيقاعاً، على طريقة القرآن‏!‏

سورة القارعة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏الْقَارِعَةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ‏(‏3‏)‏ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ‏(‏4‏)‏ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ‏(‏5‏)‏ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏6‏)‏ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ‏(‏8‏)‏ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ‏(‏10‏)‏ نَارٌ حَامِيَةٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

القارعة‏:‏ القيامة‏.‏ كالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية‏.‏ والقارعة توحي بالقرع واللطم، فهي تقرع القلوب بهولها‏.‏

والسورة كلها عن هذه القارعة‏.‏ حقيقتها‏.‏ وما يقع فيها‏.‏ وما تنتهي إليه‏.‏‏.‏ فهي تعرض مشهداً من مشاهد القيامة‏.‏

والمشهد المعروض هنا مشهد هول تتناول آثاره الناس والجبال‏.‏ فيبدو الناس في ظله صغاراً ضئالاً على كثرتهم‏:‏ فهم ‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏ مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفاً‏!‏ وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش تتقاذفه الرياح وتعبث به حتى الأنسام‏!‏ فمن تناسق التصوير أن تسمى القيامة بالقارعة، فيتسق الظل الذي يلقيه اللفظ، والجرس الذي تشترك فيه حروفه كلها، مع آثار القارعة في الناس والجبال سواء‏!‏ وتلقي إيحاءها للقلب والمشاعر، تمهيداً لما ينتهي إليه المشهد من حساب وجزاء‏!‏

‏{‏القارعة‏.‏ ما القارعة‏؟‏ وما أدراك ما القارعة‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

لقد بدأ بإلقاء الكلمة مفردة كأنها قذيفة‏:‏ ‏{‏القارعة‏}‏ بلا خبر ولا صفة‏.‏ لتلقي بظلها وجرسها الإيحاء المدوي المرهوب‏!‏

ثم أعقبها سؤال التهويل‏:‏ ‏{‏ما القارعة‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهش والتساؤل‏!‏

ثم أجاب بسؤال التجهيل‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما القارعة‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏ فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك، وأن يلم بها التصور‏!‏

ثم الإجابة بما يكون فيها، لا بماهيتها‏.‏ فماهيتها فوق الإدراك والتصور كما أسلفنا‏:‏

‏{‏يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش‏}‏‏.‏‏.‏

هذا هو المشهد الأول للقارعة‏.‏ مشهد تطير له القلوب شعاعاً، وترجف منه الأوصال ارتجافاً‏.‏ ويحس السامع كأن كل شيء يتشبث به في الأرض قد طار حوله هباء‏!‏ ثم تجيء الخاتمة للناس جميعاً‏:‏

‏{‏فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية‏.‏ وما أدراك ماهيه‏؟‏ نار حامية‏!‏‏}‏‏.‏

وثقل الموازين وخفتها تفيدنا‏:‏ قيماً لها عند الله اعتبار، وقيماً ليس لها عنده اعتبار‏.‏ وهذا ما يلقيه التعبير بجملته، وهذا الله أعلم ما يريده الله بكلماته‏.‏ فالدخول في جدل عقلي ولفظي حول هذه التعبيرات هو جفاء للحس القرآني، وعبث ينشئه الفراغ من الاهتمام الحقيقي بالقرآن والإسلام‏!‏

‏{‏فأما من ثقلت موازينه‏}‏ في اعتبار الله وتقويمه ‏{‏فهو في عيشة راضية‏}‏‏.‏‏.‏ ويدعها مجملة بلا تفصيل، توقع في الحس ظلال الرضى وهو أروح النعيم‏.‏

‏{‏وأما من خفت موازينه‏}‏ في اعتبار الله وتقويمه ‏{‏فأمه هاوية‏}‏‏.‏‏.‏ والأم هي مرجع الطفل وملاذه‏.‏ فمرجع القوم وملاذهم يومئذ هو الهاوية‏!‏ وفي التعبير أناقة ظاهرة، وتنسيق خاص‏.‏ وفيه كذلك غموض يمهد لإيضاح بعده يزيد في عمق الأثر المقصود‏:‏

‏{‏وما أدراك ماهيه‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

سؤال التجهيل والتهويل المعهود في القرآن، لإخراج الأمر عن حدود التصور وحيز الإدراك‏!‏

ثم يجيء الجواب كنبرة الختام‏:‏

‏{‏نار حامية‏}‏‏.‏‏.‏

هذه هي أم الذي خفت موازينه‏!‏ أمه التي يفيء إليها ويأوي‏!‏ والأم عندها الأمن والراحة‏.‏ فماذا هو واجد عند أمه هذه‏.‏‏.‏ الهاوية‏.‏‏.‏ النار‏.‏‏.‏ الحامية‏!‏‏!‏

إنها مفاجأة تعبيرية تمثل الحقيقة القاسية‏!‏

سورة التكاثر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ‏(‏1‏)‏ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ‏(‏2‏)‏ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ‏(‏5‏)‏ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ‏(‏6‏)‏ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ‏(‏7‏)‏ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير، قائم على شرف عال‏.‏ يمد بصوته ويدوي بنبرته‏.‏ يصيح بنوّم غافلين مخمورين سادرين، أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة، وحسهم مسحور‏.‏ فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ‏:‏

‏{‏ألهاكم التكاثر‏.‏ حتى زرتم المقابر‏}‏‏.‏‏.‏

أيها السادرون المخمورون‏.‏ أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة وأنتم مفارقون‏.‏ أيها المخدوعون بما أنتم فيه عما يليه‏.‏ أيها التاركون ما تتكاثرون فيه وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر‏.‏‏.‏ استيقظوا وانظروا‏.‏‏.‏ فقد ‏{‏ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر‏}‏‏.‏

ثم يقرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم هناك بعد زيارة المقابر في إيقاع رزين‏:‏

‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏‏.‏‏.‏

ويكرر هذا الإيقاع بألفاظه وجرسه الرهيب الرصين‏:‏

‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏}‏‏.‏

ثم يزيد التوكيد عمقاً ورهبة‏.‏ وتلويحاً بما وراءه من أمر ثقيل‏.‏ لا يتبينون حقيقته الهائلة في غمرة الخمار والاستكثار‏:‏

‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يكشف عن هذه الحقيقة المطوية الرهيبة‏:‏

‏{‏لتروُنّ الجحيم‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يؤكد هذه الحقيقة ويعمق وقعها الرهيب في القلوب‏:‏

‏{‏ثم لتروّنها عين اليقين‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يلقي بالإيقاع الأخير، الذي يدع المخمور يفيق، والغافل يتنبه، والسادر يتلفت، والناعم يرتعش ويرتجف مما في يديه من نعيم‏:‏

‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ ‏!‏

لتسألن عنه من أين نلتموه‏؟‏ وفيم أنفقتموه‏؟‏ أمن طاعة وفي طاعة‏؟‏ أم من معصية وفي معصية‏؟‏ أمن حلال وفي حلال‏؟‏ أم من حرام وفي حرام‏؟‏‏.‏ هل شكرتم‏؟‏ هل أديتم‏؟‏ هل شاركتم‏؟‏ هل استأثرتم‏؟‏

‏{‏لتسألن‏}‏ عما تتكاثرون به وتتفاخرون‏.‏‏.‏ فهو عبء تستخفونه في غمرتكم ولهوكم ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل‏!‏

إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها‏.‏ وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها‏.‏ وتدع القلب مثقلاً مشغولاً بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون‏!‏

إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل‏.‏‏.‏ ‏{‏ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر‏}‏‏.‏‏.‏ وتنتهي ومضة الحياة وتنطوي صفحتها الصغيرة‏.‏‏.‏ ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال؛ ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء‏.‏ فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد‏.‏‏.‏

وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها‏.‏‏.‏ حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض، ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلاً في الطريق‏!‏

ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد‏!‏‏!‏‏!‏

سورة العصر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏وَالْعَصْرِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ‏(‏2‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام‏.‏ وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة‏.‏ إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار‏.‏ وتصف الأمة المسلمة‏:‏ حقيقتها ووظيفتها‏.‏ في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة‏.‏‏.‏ وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله‏.‏‏.‏

والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه‏:‏

إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج‏.‏ هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه‏.‏ وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار‏.‏‏.‏

‏{‏والعصر، إن الإنسان لفي خسر‏.‏ إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏‏.‏

إنه الإيمان‏.‏ والعمل الصالح‏.‏ والتواصي بالحق‏.‏ والتواصي بالصبر‏.‏‏.‏

فما الإيمان‏؟‏‏!‏

نحن لا نعرّف الإيمان هنا تعريفه الفقهي؛ ولكننا نتحدث عن طبيعته وقيمته في الحياة‏.‏

إنه اتصال هذا الكائن الإنساني الفاني الصغير المحدود بالأصل المطلق الأزلي الباقي الذي صدر عنه الوجود‏.‏ ومن ثم اتصاله بالكون الصادر عن ذات المصدر، وبالنواميس التي تحكم هذا الكون، وبالقوى والطاقات المذخورة فيه‏.‏ والانطلاق حينئذ من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير‏.‏ ومن حدود قوته الهزيلة إلى عظمة الطاقات الكونية المجهولة‏.‏ ومن حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله‏.‏

وفضلاً عما يمنحه هذا الاتصال للكائن الإنساني من قوة وامتداد وانطلاق، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعاً بالوجود وما فيه من جمال، ومن مخلوقات تتعاطف أرواحها مع روحه‏.‏ فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان‏.‏‏.‏ وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأنس بالحياة والكون كأنس الحبيب بالحبيب‏.‏ وهو كسب لا يعدله كسب‏.‏ وفقدانه خسران لا يعدله خسران‏.‏‏.‏

ثم إن مقومات الإيمان هي بذاتها مقومات الإنسانية الرفيعة الكريمة‏.‏‏.‏

التعبد لإله واحد، يرفع الإنسان عن العبودية لسواه، ويقيم في نفسه المساواة مع جميع العباد، فلا يذل لأحد، ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار‏.‏‏.‏ ومن هنا الانطلاق التحرري الحقيقي للإنسان‏.‏ والانطلاق الذي ينبثق من الضمير ومن تصور الحقيقة الواقعة في الوجود‏.‏ إنه ليس هناك إلا قوة واحدة وإلا معبود واحد‏.‏ فالانطلاق التحرري ينبثق من هذا التصور انبثاقاً ذاتياً، لأنه هو الأمر المنطقي الوحيد‏.‏

والربانية التي تحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان تصوراته وقيمه وموازينه واعتباراته وشرائعه وقوانينه، وكل ما يربطه بالله، أو بالوجود، أو بالناس‏.‏ فينتفي من الحياة الهوى والمصلحة، وتحل محلهما الشريعة والعدالة‏.‏ وترفع من شعور المؤمن بقيمة منهجه، وتمده بالاستعلاء على تصورات الجاهلية وقيمها واعتباراتها، وعلى القيم المستمدة من الارتباطات الأرضية الواقعة‏.‏

‏.‏ ولو كان فرداً واحداً، لأنه إنما يواجهها بتصورات وقيم واعتبارات مستمدة من الله مباشرة فهي الأعلى والأقوى والأولى بالاتباع والاحترام‏.‏

ووضوح الصلة بين الخالق والمخلوق، وتبين مقام الألوهية ومقام العبودية على حقيقتها الناصعة، مما يصل هذه الخليقة الفانية بالحقيقة الباقية في غير تعقيد، وبلا وساطة في الطريق‏.‏ ويودع القلب نوراً، والروح طمأنينة، والنفس أنساً وثقة‏.‏ وينفي التردد والخوف والقلق والاضطراب كما ينفي الاستكبار في الأرض بغير الحق، والاستعلاء على العباد بالباطل والافتراء‏!‏

والاستقامة على المنهج الذي يريده الله‏.‏ فلا يكون الخير فلته عارضة، ولا نزوة طارئة، ولا حادثة منقطعة‏.‏ إنما ينبعث عن دوافع، ويتجه إلى هدف، ويتعاون عليه الأفراد المرتبطون في الله، فتقوم الجماعة المسلمة ذات الهدف الواحد الواضح، والراية الواحدة المتميزة‏.‏ كما تتضامن الأَجيال المتعاقبة الموصولة بهذا الحبل المتين‏.‏

والاعتقاد بكرامة الإنسان على الله، يرفع من اعتباره في نظر نفسه، ويثير في ضميره الحياء من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها‏.‏ وهذا أرفع تصور يتصوره الإنسان لنفسه‏.‏‏.‏ أنه كريم عند الله‏.‏‏.‏ وكل مذهب أو تصور يحط من قدر الإنسان في نظر نفسه، ويرده إلى منبت حقير، ويفصل بينه وبين الملأ الأعلى‏.‏‏.‏ هو تصور أو مذهب يدعوه إلى التدني والتسفل ولو لم يقل له ذلك صراحة‏!‏

ومن هنا كانت إيحاءات الدارونية والفرويدية والماركسية هي أبشع ما تبتلى به الفطرة البشرية والتوجيه الإنساني، فتوحي إلى البشر بأن كل سفالة وكل قذارة وكل حقارة هي أمر طبيعي متوقع، ليس فيه ما يستغرب، ومن ثم ليس فيه ما يخجل‏.‏‏.‏ وهي جناية على البشرية تستحق المقت والازدراء‏!‏

ونظافة المشاعر تجيء نتيجة مباشرة للشعور بكرامة الإنسان على الله‏.‏ ثم برقابة الله على الضمائر واطلاعه على السرائر‏.‏ وإن الإنسان السوي الذي لم تمسخه إيحاءات فرويد وكارل ماركس وأمثالهما، ليستحيي أن يطلع إنسان مثله على شوائب ضميره وخائنة شعوره‏.‏ والمؤمن يحس وقع نظر الله سبحانه في أطواء حسه إحساساً يرتعش له ويهتز‏.‏ فأولى أن يطهر حسه هذا وينظفه‏!‏

والحاسة الأخلاقية ثمرة طبيعية وحتمية للإيمان بإله عادل رحيم عفو كريم ودود حليم، يكره الشر ويحب الخير‏.‏ ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏.‏

وهناك التبعة المترتبة على حرية الإرادة وشمول الرقابة، وما تثيره في حس المؤمن من يقظة وحساسية، ومن رزانة وتدبر‏.‏ وهي ليست تبعة فردية فحسب، إنما هي كذلك تبعة جماعية، وتبعة تجاه الخير في ذاته، وإزاء البشرية جميعاً‏.‏‏.‏ أمام الله‏.‏‏.‏ وحين يتحرك المؤمن حركة فهو يحس بهذا كله، فيكبر في عين نفسه، ويقدر نتيجة خطوه قبل أن يمد رجله‏.‏‏.‏ إنه كائن له قيمة في الوجود، وعليه تبعة في نظام هذا الوجود‏.‏

والارتفاع عن التكالب على أعراض الحياة الدنيا وهو بعض إيحاءات الإيمان واختيار ما عند الله، وهو خير وأبقى‏.‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏ والتنافس على ما عند الله يرفع ويطهر وينظف‏.‏‏.‏ يساعد على هذا سعة المجال الذي يتحرك فيه المؤمن‏.‏‏.‏ بين الدنيا والآخرة، والأرض والملأ الأعلى‏.‏ مما يهدئ في نفسه القلق على النتيجة والعجلة على الثمرة‏.‏ فهو يفعل الخير لأنه الخير، ولأن الله يريده، ولا عليه ألا يدرّ الخير خيراً على مشهد من عينيه في عمره الفردي المحدود‏.‏ فالله الذي يفعل الخير ابتغاء وجهه لا يموت سبحانه- ولا ينسى، ولا يغفل شيئاً من عمله‏.‏ والأرض ليست دار جزاء‏.‏ والحياة الدنيا ليست نهاية المطاف‏.‏ ومن ثم يستمد القدرة على مواصلة الخير من هذا الينبوع الذي لا ينضب‏.‏ وهذا هو الذي يكفل أن يكون الخير منهجاً موصولاً، لا دفعة طارئة، ولا فلتة مقطوعة‏.‏ وهذا هو الذي يمد المؤمن بهذه القوة الهائلة التي يقف بها في وجه الشر‏.‏ سواء تمثل في طغيان طاغية، أو في ضغط الاعتبارات الجاهلية، أو في اندفاع نزواته هو وضغطها على إرادته‏.‏ هذا الضغط الذي ينشأ أول ما ينشأ من شعور الفرد بقصر عمره عن استيعاب لذائذه وتحقيق أطماعه، وقصره كذلك عن رؤية النتائج البعيدة للخير، وشهود انتصار الحق على الباطل‏!‏ والإيمان يعالج هذا الشعور علاجاً أساسياً كاملاً‏.‏

إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير، الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير، وتتعلق به كل ثمرة من ثماره، وإلا فهو فرع مقطوع من شجرته، صائر إلى ذبول وجفاف‏.‏ وإلا فهي ثمرة شيطانية، وليس لها امتداد أو دوام‏!‏

وهو المحور الذي تشد إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة‏.‏ وإلا فهي مفلتة لا تمسك بشيء، ذاهبة بدداً مع الأهواء والنزوات‏.‏‏.‏

وهو المنهج الذي يضم شتات الأعمال، ويردها إلى نظام تتناسق معه وتتعاون، وتنسلك في طريق واحد، وفي حركة واحدة، لها دافع معلوم، ولها هدف مرسوم‏.‏‏.‏

ومن ثم يهدر القرآن قيمة كل عمل لا يرجع إلى هذا الأصل، ولا يشد إلى هذا المحور، ولا ينبع من هذا المنهج‏.‏ والنظرية الإسلامية صريحة في هذا كل الصراحة‏.‏‏.‏ جاء في سورة إبراهيم‏:‏ ‏{‏مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف‏.‏ لا يقدرون مما كسبوا على شيء‏}‏ وجاء في سورة النور‏:‏ ‏{‏والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً‏}‏ وهي نصوص صريحة في إهدار قيمة العمل كله، ما لم يستند إلى الإيمان، الذي يجعل له دافعاً موصولاً بمصدر الوجود، وهدفاً متناسقاً مع غاية الوجود‏.‏ وهذه هي النظرة المنطقية لعقيدة ترد الأمور كلها إلى الله‏.‏ فمن انقطع عنه فقد انقطع وفقد حقيقة معناه‏.‏

إن الإيمان دليل على صحة الفطرة وسلامة التكوين الإنساني، وتناسقه مع فطرة الكون كله، ودليل التجاوب بين الإنسان والكون من حوله‏.‏

فهو يعيش في هذا الكون، وحين يصح كيانه لا بد أن يقع بينه وبين هذا الكون تجاوب‏.‏ ولا بد أن ينتهي هذا التجاوب إلى الإيمان، بحكم ما في الكون ذاته من دلائل وإيحاءات عن القدرة المطلقة التي أبدعته على هذا النسق‏.‏ فإذا فقد هذا التجاوب أو تعطل، كان هذا بذاته دليلاً على خلل ونقص في الجهاز الذي يتلقى، وهو هذا الكيان الإنساني‏.‏ وكان هذا دليل فساد لا يكون معه إلا خسران‏.‏ ولا يصح معه عمل ولو كان في ظاهره مسحة من الصلاح‏.‏

وإن عالم المؤمن من السعة والشمول والامتداد والارتفاع والجمال والسعادة بحيث تبدو إلى جانبه عوالم غير المؤمنين صغيرة ضئيلة هابطة هزيلة شائهة شقية‏.‏‏.‏ خاسرة أي خسران‏!‏

والعمل الصالح وهو الثمرة الطبيعية للإيمان، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب‏.‏ فالإيمان حقيقة إيجابية متحركة‏.‏ ما إن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح‏.‏‏.‏ هذا هو الإيمان الإسلامي‏.‏‏.‏ لا يمكن أن يظل خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدى في صورة حية خارج ذات المؤمن‏.‏‏.‏ فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت‏.‏ شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها‏.‏ فهو ينبعث منها انبعاثاً طبيعياً‏.‏ وإلا فهو غير موجود‏!‏

ومن هنا قيمة الإيمان‏.‏‏.‏ إنه حركة عمل وبناء وتعمير‏.‏‏.‏ يتجه إلى الله‏.‏‏.‏ إنه ليس انكماشاً وسلبية وانزواء في مكنونات الضمير‏.‏ وليس مجرد النوايا الطيبة التي لا تتمثل في حركة وهذه طبيعة الإسلام البارزة التي تجعل منة قوة بناء كبرى في صميم الحياة‏.‏

وهذا مفهوم ما دام الإيمان هو الارتباط بالمنهج الرباني‏.‏ وهذا المنهج حركة دائمة متصلة في صميم الوجود‏.‏ صادرة عن تدبير، متجهة إلى غاية‏.‏ وقيادة الإيمان للبشرية هي قيادة لتحقيق منهج الحركة التي هي طبيعة الوجود‏.‏ الحركة الخيرة النظيفة البانية المعمرة اللائقة بمنهج يصدر عن الله‏.‏

أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فتبرز من خلالها صورة الأمة المسلمة أو الجماعة المسلمة ذات الكيان الخاص، والرابطة المميزة، والوجهة الموحدة‏.‏ الجماعة التي تشعر بكيانها كما تشعر بواجبها‏.‏ والتي تعرف حقيقة ما هي مقدمة عليه من الإيمان والعمل الصالح، الذي يشمل فيما يشمل قيادة البشرية في طريق الإيمان والعمل الصالح؛ فتتواصى فيما بينها بما يعينها على النهوض بالأمانة الكبرى‏.‏

فمن خلال لفظ التواصي ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة أو الجماعة المتضامة المتضامنة‏.‏ الأمة الخيرة‏.‏ الواعية‏.‏ القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير‏.‏‏.‏ وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة‏.‏‏.‏ وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام‏.‏‏.‏ هكذا يريدها أمة خيرة قوية واعية قائمة على حراسة الحق والخير، متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن‏.‏

والتواصي بالحق ضرورة‏.‏ فالنهوض بالحق عسير‏.‏ والمعوقات عن الحق كثيرة‏:‏ هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة‏.‏ وطغيان الطغاة، وظلم الظلمة، وجور الجائرين‏.‏‏.‏ والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة‏.‏ فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية، إذ تتفاعل معاً فتتضاعف‏.‏ تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله‏.‏‏.‏ وهذا الدين وهو الحق لا يقوم إلا في حراسة جماعة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال‏.‏

والتواصي بالصبر كذلك ضرورة‏.‏ فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة‏.‏ ولا بد من الصبر‏.‏ لا بد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير‏.‏ والصبر على الأذى والمشقة‏.‏ والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر‏.‏ والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم، وبعد النهاية‏!‏

والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، وتساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار‏.‏‏.‏ إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها، ولا تبرز إلا من خلالها‏.‏‏.‏ وإلا فهو الخسران والضياع‏.‏

وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران، فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء‏.‏ يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا قبل الآخرة يهولنا أن نرى إعراض البشرية ذلك الإعراض البائس عن الخير الذي أفاضه الله عليها؛ مع فقدان السلطة الخيرة المؤمنة القائمة على الحق في هذه الأرض‏.‏‏.‏ هذا والمسلمون أو أصحاب دعوى الإسلام بتعبير أدق هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير، وأشدهم إعراضاً عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم، وعن الدستور الذي شرعه لأمتهم، وعن الطريق الوحيد الذي رسمه للنجاة من الخسران والضياع‏.‏ والبقاع الي انبعث منها هذا الخير أول مرة تترك الراية التي رفعها لها الله، راية الإيمان، لتتعلق برايات عنصرية لم تنل تحتها خيراً قط في تاريخها كله‏.‏ لم يكن لها تحتها ذكر في الأرض ولا في السماء‏.‏ حتى جاء الإسلام فرفع لها هذه الراية المنتسبة لله، لا شريك له، المسماة باسم الله لا شريك له، الموسومة بميسم الله لا شريك له‏.‏‏.‏ الراية التي انتصر العرب تحتها وسادوا وقادوا البشرية قيادة خيرة قوية واعية ناجية لأول مرة في تاريخهم وفي تاريخ البشرية الطويل‏.‏‏.‏

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم‏:‏ «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين‏؟‏»‏.‏‏.‏ عن هذه القيادة الخيرة الفذة في التاريخ كله، وتحت عنوان «عهد القيادة الإسلامية»‏:‏ «الأئمة المسلمون وخصائصهم»‏:‏

«ظهر المسلمون، وتزعموا العالم، وعزلوا الأمم المزيفة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلهم وتحت قيادتهم»‏.‏

«أولاً‏:‏ أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم‏.‏ لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء، وقد جعل الله لهم نوراً يمشون به في الناس، وجعل لهم شريعة يحكمون بها الناس ‏{‏أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها‏؟‏‏}‏ وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا‏.‏ اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون‏}‏ ثانياً‏:‏ أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة في الماضي والحاضر، بل مكثوا زمناً طويلاً تحت تربية محمد صلى الله عليه وسلم وإشرافه الدقيق، يزكيهم ويؤدبهم، ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والإيثار وخشية الله، وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها‏.‏ يقول‏:‏» إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه «‏.‏

ولا يزال يقرع سمعهم‏:‏ ‏{‏تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين‏}‏ فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب، فضلاً عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة، ويزكوا أنفسهم، وينشروا دعاية لها، وينفقوا الأموال سعياً وراءها‏.‏ فإذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يعدوه مغنماً أو طعمة أو ثمناً لما أنفقوا من مال أو جهد؛ بل عدوه أمانة في عنقهم، وامتحاناً من الله؛ ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم، ومسؤولون عن الدقيق والجليل، وتذكروا دائماً قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل‏}‏ وقوله‏.‏‏.‏ ‏{‏وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما آتاكم‏}‏» ثالثاً‏:‏ إنهم لم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده؛ ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان، لم يخلقوا إلا ليكونوا حكاماً، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم‏.‏ ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكم أنفسهم‏!‏ إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده‏.‏ كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد‏:‏ الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام «‏.‏

فالأمم عندهم سواء، والناس عندهم سواء الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب‏.‏ لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏}‏ وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر وقد ضرب ابنه مصرياً وافتخر بآبائه قائلاً‏:‏ خذها من ابن الأكرمين‏.‏ فاقتص منه عمر‏:‏ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحراراً أمهاتهم‏؟‏ فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها‏.‏

في ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب حتى المضطهدة منها في القديم أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة، وأن تساهم العرب في بناء العالم الجديد، بل إن كثيراً من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين‏.‏‏.‏

«رابعاً‏:‏ إن الإنسان جسم وروح، وهو ذو قلب وعقل وعواطف وجوارح، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها، ويتغذى غذاء صالحاً، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة ألبتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني‏.‏ وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا مكنت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بين الذين يؤمنون بالروح والمادة، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية، وأصحاب عقول سليمة راجحة، وعلوم صحيحة نافعة»‏.‏‏.‏

إلى أن يقول تحت عنوان‏:‏ «دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة»‏:‏

«وكذلك كان، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور دور الخلافة الراشدة فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل‏.‏ وفي ظهور المدنية الصالحة‏.‏‏.‏ كانت حكومة من أكبر حكومات العالم، وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها، تسود فيها المثل الخلقية العليا، وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم، وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة، ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة، فتقل الجنايات، وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها، وتحسن علاقة الفرد بالفرد، والفرد بالجماعة، وعلاقة الجماعة بالفرد‏.‏

وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه، ولم يفترض المفترضون أزهى منه‏.‏‏.‏ «‏.‏

هذه بعض ملامح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور الإسلامي الذي تضع» سورة العصر «قواعده، وتحت تلك الراية الإيمانية التي تحملها جماعة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر‏.‏

فأين منها هذا الضياع الذي تعانيه البشرية اليوم في كل مكان، والخسار الذي تبوء به في معركة الخير والشر، والعماء عن ذلك الخير الكبير الذي حملته الأمة العربية للبشر يوم حملت راية الإسلام فكانت لها القيادة‏.‏ ثم وضعت هذه الراية فإذا هي في ذيل القافلة‏.‏ وإذا القافلة كلها تعطو إلى الضياع والخسار‏.‏ وإذا الرايات كلها بعد ذلك للشيطان ليس فيها راية واحدة لله‏.‏ وإذا هي كلها للباطل ليس فيها راية واحدة للحق‏.‏ وإذا هي كلها للعماء والضلال ليس فيها راية واحدة للهدى والنور، وإذا هي كلها للخسار ليس فيها راية واحدة للفلاح‏!‏ وراية الله ما تزال‏.‏ وإنها لترتقب اليد التي ترفعها والأمة التي تسير تحتها إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح‏.‏

ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض‏.‏ وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير‏.‏ وهناك‏.‏ هناك الربح الحق والخسر الحق‏.‏ هناك في الأمد الطويل، وفي الحياة الباقية، وفي عالم الحقيقة‏.‏‏.‏ هناك الربح والخسر‏:‏ ربح الجنة والرضوان، أو خسر الجنة والرضوان‏.‏ هناك حيث يبلغ الإنسان أقصى الكمال المقدر له، أو يرتكس فتهدر آدميته، وينتهي إلى أن يكون حجراً في القيمة ودون الحجر في الراحة‏:‏

‏{‏يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر‏:‏ يا ليتني كنت تراباً‏}‏ وهذه السورة حاسمة في تحديد الطريق‏.‏‏.‏ إنه الخسر‏.‏‏.‏ ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏‏.‏‏.‏ طريق واحد لا يتعدد‏.‏ طريق الإيمان والعمل الصالح وقيام الجماعة المسلمة، التي تتواصى بالحق وتتواصى بالصبر‏.‏ وتقوم متضامنة على حراسة الحق مزودة بزاد الصبر‏.‏

إنه طريق واحد‏.‏ ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة» والعصر «ثم يسلم أحدهما على الآخر‏.‏‏.‏ لقد كانا يتعاهدان على هذا الدستور الإلهي، يتعاهدان على الإيمان والصلاح، ويتعاهدان على التواصي بالحق والتواصي بالصبر‏.‏ ويتعاهدان على أنهما حارسان لهذا الدستور‏.‏ ويتعاهدان على أنهما من هذه الأمة القائمة على هذا الدستور‏.‏‏.‏

سورة الهمزة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ‏(‏2‏)‏ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ‏(‏4‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ‏(‏5‏)‏ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ‏(‏6‏)‏ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏8‏)‏ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

تعكس هذه السورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول‏.‏ وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة‏.‏‏.‏ صورة اللئيم الصغير النفس، الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به، حتى ما يطيق نفسه‏!‏ ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة‏.‏ القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار‏:‏ أقدار الناس‏.‏ وأقدار المعاني‏.‏ وأقدار الحقائق‏.‏ وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب‏!‏

كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء؛ لا يعجز عن فعل شيء‏!‏ حتى دفع الموت وتخليد الحياة‏.‏ ودفع قضاء الله وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء‏!‏

ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده؛ وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم‏.‏ ولمزهم وهمزهم‏.‏‏.‏ يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاته‏.‏ سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم، أو بتحقير صفاتهم وسماتهم‏.‏‏.‏ بالقول والإشارة‏.‏ بالغمز واللمز‏.‏ باللفتة الساخرة والحركة الهازئة‏!‏

وهي صورة لئيمة حقيرة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة وتعرى من الإيمان‏.‏ والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة من صور النفوس بحكم ترفعه الأخلاقي‏.‏ وقد نهى عن السخرية واللمز والعيب في مواضع شتى‏.‏ إلا أن ذكرها هنا بهذا التشنيع والتقبيح مع الوعيد والتهديد، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاه المؤمنين‏.‏‏.‏ فجاء الرد عليها في صورة الردع الشديد، والتهديد الرعيب‏.‏ وقد وردت روايات بتعيين بعض الشخصيات‏.‏ ولكنها ليست وثيقة‏.‏ فنكتفي نحن بما قررناه عنها‏.‏‏.‏

والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة يمثل صورة للعذاب مادية ونفسية، وصورة للنار حسية ومعنوية‏.‏ وقد لوحظ فيها التقابل بين الجرم وطريقة الجزاء وجو العقاب‏.‏ فصورة الهمزة اللمزة، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم، وهو يجمع المال فيظنه كفيلاً بالخلود‏!‏ صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال، تقابلها صورة «المنبوذ» المهمل المتردي في ‏{‏الحطمة‏}‏ التي تحطم كل ما يلقى إليها، فتحطم كيانه وكبرياءه‏.‏ وهي ‏{‏نار الله الموقدة‏}‏ وإضافتها لله وتخصيصها هكذا يوحي بأنها نار فذة، غير معهودة، ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة‏.‏ وهي ‏{‏تطلع‏}‏ على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز، وتكمن فيه السخرية والكبرياء والغرور‏.‏‏.‏ وتكملة لصورة المحطم المنبوذ المهمل‏.‏‏.‏ هذه النار مغلقة عليه، لا ينقذه منها أحد، ولا يسأل عنه فيها أحد‏!‏ وهو موثق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام‏!‏ وفي جرس الألفاظ تشديد‏:‏ ‏{‏عدّده‏.‏ كلا‏.‏ لينبذن‏.‏ تطلع‏.‏ ممدّدة‏}‏ وفي معاني العبارات توكيد بشتى أساليب التوكيد‏:‏ ‏{‏لينبذن في الحطمة‏.‏

وما أدراك ما الحطمة‏؟‏ نار الله الموقدة‏.‏‏.‏‏}‏ فهذا الإجمال والإبهام‏.‏ ثم سؤال الاستهوال‏.‏ ثم الاجابة والبيان‏.‏‏.‏ كلها من أساليب التوكيد والتضخيم‏.‏‏.‏ وفي التعبير تهديد ‏{‏ويل‏.‏ لينبذن‏.‏ الحطمة‏.‏‏.‏ نار الله الموقدة‏.‏ التي تطلع على الأفئدة‏.‏ إنها عليهم مؤصدة‏.‏ في عمد ممددة‏}‏‏.‏‏.‏

وفي ذلك كله لون من التناسق التصويري والشعوري يتفق مع فعلة ‏{‏الهمزة اللمزة‏}‏ ‏!‏

لقد كان القرآن يتابع أحداث الدعوة ويقودها في الوقت ذاته‏.‏ وكان هو السلاح البتار الصاعق الذي يدمر كيد الكائدين، ويزلزل قلوب الأعداء، ويثبت أرواح المؤمنين‏.‏

وإنا لنرى في عناية الله سبحانه بالرد على هذه الصورة معنيين كبيرين‏:‏

الأول‏:‏ تقبيح الهبوط الأخلاقي وتبشيع هذه الصورة الهابطة من النفوس‏.‏

والثاني‏:‏ المنافحة عن المؤمنين وحفظ نفوسهم من أن تتسرب إليها مهانة الإهانة، وإشعارهم بأن الله يرى ما يقع لهم، ويكرهه، ويعاقب عليه‏.‏‏.‏ وفي هذا كفاية لرفع أرواحهم واستعلائها على الكيد اللئيم‏.‏‏.‏